مقالات

وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل..” عن الشهيد أوهاج: دمك غاليا جسّر الهوة بين عالمين..

✍️ محمد فرح وهبي

1
مُعلّقٌ أنا على مشانق الصباح
وجبهتي بالموت محنية
لأنني لم أُحنها حيّة.
“دنقل”..

لم تكن سيرة شهيد جميل مثل أوهاج لتخطر على بال أي واحد من الذين يفترضون بزهوٍ كاذب لا مبرر له، بأحقيتهم في فرض أساطير تخصهم وتعميمها على المشهد، أعني بالتحديد مجموعات بعينها توجه الرأي العام عبر الوسائط وتتملق الشهداء والثوار والشارع وكل شيء، كشكل نفاق مبرر له من قبلهم باعتباره جزء من اللعبة السياسية. ” تم بيهم شغل”.
لم تكن لتخطر على بال أي منهم صورة هذا الأدروب الأصيل كشهيد محتمل، كمناضل من أجل حقه الانساني في وطن يتفهمه ويتقبل اختلافه ببساطة، ويجد فيه نفسه مثله وأي مواطن آخر، شركاء في رحلة البحث عن وطن ليس مفقود إنما لم يتحقق أصلا، والعمل على تأسيسه وتشييده، ليس بشعارات تافهة مثل “حنبينيهو”، إنما بالدم عديل.
لم يكن متخيلاً وجود شخص بهذه الملامح، بلغة غريبة، باسم هو غالبا في المتخيل مرتبط ببائع قهوة، أو شحاد في شارع النيل، الانسان الكسول مريض السُل، الغير متعلم والخارج التاريخ والحياة والغير قابل للتطور. كما نمطته الصورة العامة الخاطئة الظالمة في أذهانكم، ووعيكم تجاه مثل هؤلاء المنسيين والأقل حظا تماما. بل إن صورته حتي وهو يموت لا يتم فصلها عن صورة زعيم قبلي بسبب موقفه الشخصي تمت شيطنة كاملة لشعب كامل، لشعب عريق وأصيل في هذه الجغرافيا الفظيعة الموسومة بالسودان. وعوقب اثر ذلك عقابا جماعيا، لم يرد له الاعتبار كبطل ملحمي دفع حياته لأجل هذه الأرض، وحيدا مضى حتى وهو يُزف بموته إلى الهناك، حيث رقدته الأخيرة. ولم يذكره أحد سوى أهله ولسوف لن يذكره أحد. تُنسى كأنك لم تكن!!. يا للخسارة.
أن في دم الشهيد أوهاج تتجسد جسور تواصل لاحم تعيد ربط الجغرافيا والوجدان الذى تمزق بسبب مشاكسات السياسيين وقصر نظرهم، كان بالامكان أن نرد الاعتبار عبر هذا الشهيد لكل البلاد، إنه بموته صفع ناظر قبيلته والبرهان وكل الطغاة، منتميا للحلم الوطني للسودان الواحد لحقنا جميعا في العيش، بينما بتجاهلنا وعد الانتباه اللازم ضيعناه وضيعنا هذه الفرصة العظيمة لنولد من جديد.
كل من مضوا أحبهم وأقدر بسالاتهم الفائقة، ولكن الموجودين من يصنعون حدثاً ثوريا يميزهم كحالة خاصة، عليهم أن يكونوا أكثر عدلا في الاحتفاء بباقي الشهداء وحقهم في الخلودية ورد الاعتبار، أقدر شعور العائلات والأصدقاء وكل شعور صادق، ولا أقف موقف سلبيا تجاهه. انما استهدفت بكتابتي كلها الفائتة وهذا المقال، جمهور بعينه يصنع او يساهم في صناعة حدث ما عبر هذه الوسائط، بمقدوره أن يفكر في اخرين أيضا، اذ لا يعقل أن تتحدث عن موكب بعينه كرد اعتبار وخلودية بينما يوجد شهداء مجهولي الهوية يرقدون في المشارح، بينما يوجد شهداء اخرين لم يقم بزيارة أهلهم أحد، ولم يكتب عنهم بوست واحد ولا يأتي بذكرهم أحد. ليه ياخ دة مش برضو ودم ولا الموت دة ما بتعرفوا مرارته إلا لمن يجيكم قريب؟
2
كان وما زال الشهيد عبد السلام كشة قريبا لقلبي، ولطالما المني موته، اتذكر لحظة صورته الاولى صبيحة المجزرة، ولما يقارب العام وأكثر كنت لكما تذكرت صورته بكيت، كلما سمعت عريس الحمى أو غني يا خرطوم وغني، مزقني الحزن عليه. لم يكن صديقي ولا كنا قريبين من بعض، فقط هو ابن المكان الذى ايضا عشت فيه سنينا مقدرة من عمري، اعرفه من زمن بعيد واعرف والده وهو صديقي، وارتبط عندي بكل شي طيب. مجرد فقده مزقني، كتبت مقالا كاملا عنه وعن الشهيد الفاتح النمير، عن عباس فرح، كلهم في قلبي. لكن انتبهت عبر هذا الحزن لحالات قريبة نعرفها، لأن احزن أو اتعامل بمسؤولية تجاه المنسيين الذين لا يعرفهم أحد، لقد علموني بموتهم كيف هو الفقد قاس وحار ومؤلم. فكيف أن الذين يعيشيون فقد أبنائهم لوحدهم منسيين ولا يذكرهم أحد، كيف يكون حالهم؟!
3
*قالوا اركب معنا.. قلت: اركبوا هنا.
واحداً واحدا. لا أنتمي سوى لصوت الحق بداخلي وللمنسيين والأقل حظاً، للفقراء والمساكين حقاً، والأكثر غنى برغم رقة حالهم، قلوبهم غنية وأعينهم مبصرة العفيفين الظريفين. لأنني واحد منهم، قطرة صغيرة في بحر حياتهم اليومي الماض بصعوبة إلي مبتاغه كنهر وبحر يصنع العالم وتتخلق في أحشائه سبل الحياة. لم أكن غير نفسي، ” هل أنا الفرد الحشود؟.
في لحظة عارية تتكشف لك الكذبة الكبيرة، ككتلة صماء، انسداد افاق الحكمة المطلوبة، الحكمة الضرورية للعيش. أن تكون حرا أن تكون أنت نفسك هكذا في تمام ذاتيتك المتفردة، وتمام كونك تمام. هذه اللحظة نادرة الحدوث ونسبية، وفالتة تقريباً في سياقها الخاص والأشد فردانية من لغة القطيع العامة، لغة الشتيمة وجهالات الجهال. إن في سوق مزايدات الله أكبر كل شيء وارد وطبيعي، الطبيعي بالنسبة لهم هو أن تكون الجميع في مستوي الخوف من أن تكون أنت، أن تضحك لنكاتهم السمجة، وادعاءتهم الجوفاء بمعرفة وكمال كل شيء وبالبطولة والنبل الانساني وهما بريئان منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يرد دائما في مأثور القول. أن تكون أنت هذا هو الغير طبيعي في تعبئة فيالق الحمقى.
أن صكوك غفران الوطنية رخيصة، أرخص من زاوية وطن منسي قيد التخلّق في سكته الخطأ، بمعاول الكراهية، الشجب والادانة والتحريض، وإن توسنامي الموجة العامة جارف وحار وقاتل. إركب معنا أو تكن من المغرقين. إنها تناسل مرضي لديانات قاتلة لا تعرف الرحمة، منسوجة بأوهام كئيبة عن الله والعالم. وإن لغتي تنقذني من الغرق. موقفي الفردي كمساهمة عامة في حدودها المعقولة والمقدرة بالنسبة لي، وكذا الاخرين. اذ لا أثمن غير الجوهري، غير الحب صافيا كما “عض الطفل ثدي أمه”.. ففي أزمنة القهر، القلق والمجاعة، يكون كل شيء على أشده، بعنف عظيم قاتل، اننا تناسل شاحب لمقتولين، واستنساخ أكثر شحوبا مما نتصور لصورة القتلة. فسلوك البلادة ليست العامة، إنما الموجهة من قبل جماعات بعينها، تحدد الموجة ووجهتها، وتطلق النداء: إركب معنا، الأمر بذلك، وإلا فالنفي والعدم مصيرك.
ولكنها تنسى في الخضم بل تتناسى عمداً أنها ليست صانعة خلاّقة لأي شيء سوي الهباء، سوى التبلد سوى البلادة. فكل فعل يصدر كاكراه هو ضد رغبتنا الأصيلة والفطرية في أن نكون، ضد هويتنا الحنانية، الإنسانية الخالصة وحقنا الصافي في العيش وفق اراداتنا. هذه المصادرات المصنوعة من ركاب الموجة باطيافهم المختلفة شغالة مدورة “وخامة خلق الله خم”. لكنها محض صناعة مزيفة تدعي وتُكذّب وتُغالط الواقع.
فاللواقع صناعه الحقيقيون، والحقيقيون جدا، “اللهم أنفعنا بجاههم”. وفي النهاية هم من ستمضي موجتهم الي وجهتها الصواب حرة وصافية وستصل، طال الزمن أو قصر ستصل في النهاية. تمتد ألسن كثيرة امامك وخلف ظهرك، تقول لك بشكل مرتعش وثابت أيضا ثبات من يقف في صف الفجيعة والكذب، أنك لست أنت وأنك ضد، أنك سمج وعدواني والكثير الكثير، حد أن يوزع صك غفران طويل يمنح منحا حصريا لمن هم داخل موجة الزيف المصنوعة، بينما يُنفى بعيداً جداً كل أولئك الأبطال الحقيقيين صناع الحياة وتلاميذها.
4
كان بامكاننا جميعا أن نفتح فضاء مدنيا حقا للمثاقفة وللنقاش وللتقبل. ” بدل مطاعنة نسوان الحلة دي”، ليس لحديث فُسر وفُهم وروج له باعتباره ضد، حديث يخصني وأصر عليه وعلى أحقيته في الوصول، انما حول كل مساهماتنا الحياتية المختلفة، وفي كل شيء، فضاء مدنيا انسانيا يشبه المدينة ليست الفاضلة انا المدينة بقيمها الصواب، بلغة حوارها الخلاقة، ببشاشتها، وببسالاتها كلها. لكن لا مدينة ولا عقل ولا قلب في موجة الصِنعة العامة أو الشلة أو المؤثرين في فضاء الوسائط السخيف هذا والذى هو أكبر اكذوبة صنعتهم، عوضوا عبرها فشلهم البائن في الواقع وفي الحياة والعطاء الانساني الحق. كل ما يحدث هو عبارة عن سلوك تعويضي لخسارات هزيلة. اعني بحديثي فئة قليلة مهما كثرت هي كزبد البحر. أفٍ واحدٍ ولسوف لن تجد منهم أحد. كما قال رجل حكيم عرف قدر نفسه لأحدهم كان يستهزيء به: إياك ثم إياك، واحدٌ بألف ــ يقصد نفسه ــ وألفٍ بأفٍ. وكما يرد في بالي في مواقف مماثلة: ” أنا الدابي إن كمن للزول بيعقو”. فالحذر ثم الحذر.
5
طبعا في لحظة المزايدات الرخيصة قد يأتي أحدهم بكل بساطة وينط ليك في حلقك باعتبارك ضد شهيد مقابل آخر وغيرها من الأكاذيب التى روج لها سابقا من قبل أشخاص بعينهم، تفهمت ظروف بعضهم الشخصية وقدرتها رغم حدتها في الخلاف معي وفهمها منشوراتي على نحو خاطيء، أصر على ذلك، وآخرين يعتاشون على فجائع ما يظنونه حفل شواء، وكما تصور لهم خيالاتهم أيضا وفقا للمثل الشعبي ” التور إن وقع كترت سكاكينو”، ولكن من الثور هنا؟ أنني عشاؤكم الأخير، الصخرة التي ستتحطم فيها موجة أكاذيبكم البليدة.
وديل لأشياء أعرفها جيدا، أشياء في نفوسهم ينتهزونها فرصة لتصفية حسابات مؤجلة وشخصية جدا لكن تحت غطاء الحالة العامة. مثلا: في واحدة طردتها من مراسلتي في الخاص لأنها سألتني سؤالا تحقيقيا عن تعليق كنت نشرته قبل زمن. قلت لها عيب، أنا أرفض هذا السلوك التحقيقي معي ومن أنت بالأساس لتكسري كل حاجز يمكن أن يقيمه المرء مع غرباء لتسألي عن أمر حتى الاصدقاء المقربون يستأذنون في حال ارادوا التحدث معي في امر مماثل. لا لشيء، فقط لأني أحترم خلق الله واقدر خصوصياتهم، وأقدر اختلافهم، وأتفهم ما استطتعت لذلك سبيلا ضعفنا الانساني أجمالا واخطاؤنا كلنا كبشر لا ننظر بطبيعة الحال من زاوية واحدة، ولا أنصب نفسي وصيا على أحد، مثلما أكتب رأيي أفهم أن من حق كل شخص أن يقول رأيه حتى في الذي أكتب، ولكنني أرفض المصادرة والتتفيه. وأخرى تعرفت عليها مؤخرا ولحكمة يعلمها الله هي من أرسلت إلي طلب للصداقة وهي من سمعت بي قبل أن أعرف أن هناك مخلوقا بالأساس بهذا الاسم وللمفارقة لا هي رشيدة ولا عاقلة، مجرد شخص ثرثار هماز مشاء بنميم، يستعرض عضلات فارغة في فراغ البلاد العاطفي والوطني وحُظي في زمن الغفلة هذا بشهرة محدودة بسبب اطلالته عبر قنوات عالمية، ليست لأنها الأفضل، بل لأن هناك شح وندرة في المتحدثين المتخصصين هنا، ولأن الشكل الخفي أيضا والذى أعرفه كصحفي هو “تمومة الجرتق” التي يقوم بها معدو البرامج مجبرين لإكمال العدد الملائم للحلقة، وفي مستوى أخر عرض صورة السودان الهزيلة عبر متحدثين هزيلين وتأكيدها في المخيلة العربية، من قبل منتجين البرامج في قناة متحكم فيها من قبل أشخاص بعينهم من بلاد عربية بعينها، يمثلون سيطرة مطلقة على واقع الاعلام العربي بفرنسا وتقديم مثل هذه الشخصية الهزيلة الفقيرة، يعفيهم من سؤال المنافسة، وهو أيضا يجيء اشباع اخر لهم وتأكيد ضمني على تفوقهم وتقدمهم الحضاري والثقافي، على باقي المهاجرين واللاجئين من بلادن عربية او تتحدث العربية مثل بلادنا.
هل تعتقدين مجرد اعتقاد لأني بشوش ربما معك، والتقيك مصافة أحمل عنك أشياء ثقيلة تحميلنها كسوداني ياخ واخ، ودة الطبيعي في سلوكي تجاه حتى من لا أعرفهم. هل تعتقدين أنني صيد سهل يُزبح قربانا ترشين به الحزب الإنت ذاتك ما معترف بيك وما عندك بيه علاقة ومتبري منك؟ هل بتعتقدي كدة؟ طُز فيك.
6
إن حالة الغش العامة هي ما أقف ضده، ولكل انسان حقه في أن يقف الموقف المناسب، لم أحرض في سياق الثورة الحالي حتى على الخروج، لأنني ببساطة لست جزء من الحالة المادية الموجودة، كنت سابقا كلما سقط شهيد أشعر بأسيء عميق واحس بأنني مسؤول عنه بشكل مباشر، لقد كنت في الميدان، صحفيا ومواطنا سودانيا وفي منتصف ثلاثينياتي يعني أكبر سنا من كثيرين، كان هذه الامر يؤلمني واشعر بأن لي دور قصرت في القيام به، ليتني عرفت الشهيد هذا، ليتني حميته كفاية بكلماتي او بوصية اي كان مضمونها رغم انني كنت ربما أيضا شهيدا محتملا، لكن الشعور الاخوي الرفاقي تجاه كل من هم حولك يضاعف احساسك بالمسؤولية. عندما قُتل الشهيد الاستاذ أحمد الخير، كان فضاء الوسائط الخرطومية ينافح لأجل أسماء بعينها، بمعني الشخص المعتقل في الخرطوم فرصته في الحماية أكبر لأنه تحت دائرة الضوء أكثر، وكذلك الشهيد، فرصته أكبر لأنه ينطبق عليه نفس الوصف السابق دائرة ضوء المدينية، بينما تكون البشاعات كلها في الاطراف وفي الاماكن المنسية. عندما قتل أحمد الخير عليه رحمة الله، كان أخي يقف بجواري وحادثني بلغة خشنة قائلاً: انتو مسؤولين من الحصل دة بتقصيركم”. يا للألم. من نحن؟ صحفيين وربما يمكن ان تؤثروا ولكم شبكة علاقات مع اشخاص فاعلين في الميديا كان بالامكان توجيه طاقات الميديا لكل ثوار السودان ورصد الانتهاكات ضدهم، وليس كما يحدث أن يتم التركيز فقط في الدائرة الضيقة للمعارف في المدينة المركزية باعتبارها الحدث الاهم وباعتبار ان تلك الاطراف المنسية لا تعدو كونها وقود فقط للهتاف، حتي أن أبطالهم لا يعرفهم أحد وشهداءهم يقتلون بوحشية وانتقام وفظاعة ما بعدها فظاعة. فقط لأن ظهورهم مكشوفة ولا أحد من الابواق الرنانة من مشاهير الميديا يمكن أن يأتي على ذكرهم أو أن يكون بالأساس يعرف عنهم شيئا.
كان ألما مضاعفا بالشعور بالتقصير وكوني لم اكتب بوست واحد عن المنسيين وكون استاذا مثل أحمد الخير بكل تاريخه النضالي لم أكن أعرفه والأسوأ أن أبطال الميديا ومنافقيها الذين يتباكون عليه الآن كانوا يعتبرونه ” كوز ساي”.
7
الموقف الأخلاقي هذا حتم علي أن لا أعلق أو أدعو لأي موكب لأنني الان لست جزء من المواكب ومن الجبن أن أحرض على مواجهة الموت وأنا في مأمن منه على الاقل بطريقته الوحشية التي يتم بها الان. لكن مع حق الناس في نشدانهم الحياة الكريمة، وتحولهم المدني الكامل واي حق يرونه ويمضون في سبيله، لأنه أيضا بنسبة ما هو حقي. هذا على المستوى العام. أما على المستوى الشخصي جدا فأمقت الكذب والتغرير بالناس وخمهم تحت تأثير شعارات رنانة ودفعهم نحو مصائر معتة تحت اسم البطولة وغيره. ونفس من يحرض حزب كان أم شخص فاعل (أنا استهدف بكتابتي الفاعلين بالتحديد)، لا يصيبه خدش في جلده من رصاصة أو بمبان أو حجر طائر. هل سمعتم بكادر حزبي أو ناشط لامع أو فاعل ميديا مؤثر حدث له شيء، استشهد أو أصيب، في مسلسل المقتلة هذي؟! لماذا نفس من ينفخون في نيران الايام باسم النضال ويمجدون الموت لا يموت منهم أحد كما يموت الباقين؟.
لأنهم ببساطة كذابون أفاكون، ويعرفون سُبل وطرق التأمين والمخارجة، بينما في نفس اللحظة يدفعون بالمغرر بهم نحو حتوفهم بأناشيد رنانة : قدام يا مان، الراستا ما بيموت، الجن الكلكلي…الخ إلى اخر الاكاذيب. بينما يظلون في أماكنهم فوق، باعتبارهم المكنات العظيمة الخارقة، ولسان حالهم يقول : “موتوا انتو، ابطال ياخ، فِرد، راستات، سانات يا مااان، جانات، مكنات…الخ. موتوا، حملكم ثقيل على العالم، علينا أن نتخفف منكم، من ثقلكم الزائد يا “فارات”، موتوا يا أبطال يا محبين الموت يا ملوك الجلكسات، موتوا، ولسوف نجني نحن الحصاد، ولسوف نبني فوق جمامكم الدولة المدنية، ولسوف تنالون حقكم الكامل في التكريم كأموات في أرض ديمقراطية، وربما وبشكل ديمقراطي نناقش الكيفية التي نحول بها قبوركم المبعثرة لمقبرة واحدة باسم مقبرة : الشهداء.
8
كنت كتبت لو أن أي واحد منكم “أقصد ممجدين الموت والذين لا يموتون”، عرف أن الرصاصة التي أصابت الشهيد بيبو كان يمكن أن تصيب ابنه أو اخيه لكان موقفه مختلف. أنا أعرف ذلك وأعرفهم بالاسماء، الذين يمجدون مقتلة فظيعة ولا خلاق لهم في موكب واحد، كيف يسمح لكم ضميركم أن تغشوا بهذا الشكل، أن تحرضوا بهذا الشكل وانتم نيام على أسرتكم، وما تجاوزتم باب غرف نومكم الواسعة، كيف تسنى لكم ذلك، هل أنتم بشر من لحم ودم وعندكم حقا يعض من شعور بالام واحزان المساكين من خلق الله؟!
وأعرف أيضا أن الشباب اختاروا مصائرهم والمواجهة، والموت الفدائي العظيم حتى، هذا خيارهم ويُحترم ولا أقف ضده بل أدعو الله أن ينصرهم إن يده فوق أيديهم، وأن يكيد أعدءاهم، وكل شيء. لكن ثورتي مختلفة وعلى الاقل أخجل أن ادفع بالناس للمواجهة وأنا خارجها، لكن احترم خيارهم، احتمال اذا كنت موجودا كنت شاركت كما حدث من قبل، وربما ايضا كانت وجهتي وطريقتي الثورية مختلفة عن الموجة العامة لكنها تصب في نهرها في النهاية.
كانت مشاركاتي عبر قنوات معروفة للحديث والتعليق عن الثورة هي في هذا السبيل كدور ودعم ومؤازرة، وإن أسوأ لحظات مقابلة تلفزيونية بالنسبة لي هي التي تكون مخصصة لمناقشة قضية عامة، لم اكن هنا في يوم من الايام لم اكن ذلك الشخص، لقد نجحت بحقي الخاص وظهرت به حتى على مستوي البي بي سي، في ازمنة بعيدة، واعرف متى اظهر في لقاء ولماذا وهذا ايضا في سياقي الخاص في سياق الذي اقوم به وانجزه ككاتب، الان في سياق الحراك الاخير ظهرت الظهور العام هذا وقلبي مثقل بسببه لأنني أمقته حقا لأنني لست أنا هنا. لكن كان العزاء أن هذا دور من أدواري أيضا تجاه نفسي وأهلي في كل السودان.
9
الشهداء كلهم أبطال، وحقهم في القلب والروح بلا شك. فقط أنا لا اربط كلامي عن الذين يخلقون الصورة العامة للبطل وتمجيده، وبين هؤلاء الأبطال. هذا ما وجب تأكيده، وأيضا لا نبخس حزن حتى دوائرهم القريبة بل حقا هو حزننا القومي الوطني، كلنا ما نجونا منه، انه شعور اصيل بداخلي تجاه كل قطرة دم سفكت في أرضنا المسكينة. لكن أن يُصمم شكل بعينه للبطل، وأن تختزل المعركة كلها في معركة واحدة كاستهداف لشكل حياة مختلفة، ونقول بأن هذه هي المعركة وأن من يخرج عن دائرة هذه التصورات هو منسي ولا يذكره أحد الا بالمصادفة، كما حدث ويحدث مع شهداء اخرين ومع شهداء محتملين في الطريق، فهذا ما يجب أن نقف ضده، ضد آلية الانتقاء هذه حتي في الموت، أعرف أن كل حركة انسانية لها الحق في التعبير عن نفسها والبقاء والاستمرار والاعتراف، لكن ليس على حساب باقي التطلعات، ليس أن نختزل المعركة كلها ونصورها باعتبارها معركة بين الراستا والعدو العسكري، قد يكون هذا وجه من وجوه المعركة لكنها ليست المعركة كلها، لأننا بقصد أو بدونه نظلم آخرين كثر شهداء وغيرهم مطالبهم وأسئلتهم التي خرجوا من أجلها مختلفة تماماً، وأنا هنا لا أوجه أو افرض رأيي أو اعبر عن نفسي “كتيرموتر”، للأحداث من حولي، والعياذ بالله، إنما أقول رأيي والذى لن تستطيع أي قوة كانت على الأرض أن تمنعني من قوله مهما كلفني هذا الموقف.

أتُرى حين أفقأ عينيك وأثبت جوهرتين مكانها
هل تَرى؟!
هي أشياء لا تُشترى.

Alakhbary

الإخباري Alakhbary صحيفة إلكترونية سودانية مستقلة تهتم بالشأن السوداني والافريقي وابرز الاحداث العالمية.رئيس التحرير _ موسى جوده
زر الذهاب إلى الأعلى