منوعات

التراث الدارفوي .. حسيس الجراري وسحر الفرنقبية

يعتبر الموروث الشعبي الجزء الأهم من تاريخ وثقافة الشعوب، فهو الوعاء الذي تستمد منه تقاليدها وقيمها الأصيلة ولغتها وأفكارها وممارستها وأسلوب حياتها الذي يعبر عن ثقافتها وهويتها الوطنية، وجسراً للتواصل بين الأجيال،وحُظي الموروث الثقافي الشعبي بأهتماماً عالمياً وأصبح محط أهتمام للمنظمات الدولية فهو يشكّل السياسة والأقتصاد والحضارة.

عرض: سحر محمد بشير
عاش إنسان دارفور منذ عصور موغلة في القدم وقد حفل تاريخ دارفور القديم بالكثير من التعتم بحسب -موسوعة الموروثات الثقافية بدارفور- التي صدرت عن رئاسة الجمهورية -السلطة الإقليمية لدارفور – وزارة الثقافة والإعلام ، تلك الموسوعة التي امدنا بها الدكتور محمد سليمان ترنين الموسيقار والباحث في الموسيقى والتراث السوداني والأفريقي. حيث أتفق الباحثون وعلماء الاجتماع أن لدارفور ثراث إنسانياً عظيماً إستمد حضارته من حضارات العالم أجمع وماجاورها من ممالك – مرتضى جبريل ،العناصر المسرحية والدرامية في ظاهرة الموقاي بدارفور ‘ رسالة ماجستير غير منشورة ،جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا 214م ص”4″- وقد أكد التاريخ المكتوب إن هجرات عربية وإفريقية من البلاد المجاورة تمازجت مع إنسان تلك المنطقة وتمخض ذلك عن مجتمع متنوع إثنياً وثقافياً وفي عاداته وتقاليده ومجمل انماطه الثقافية .
(الأخباري) جلست إلى الدكتور محمد سليمان ترنين
الموسيقار.. والباحث في الموسيقى والتراث السوداني والافريقي
عضو هيئة تدريس بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.. كلية الموسيقى والدراما.
. جلسنا إليه ليحدثنا حديث العارف بالتراث الدارفوري ،أفتتح شرفة الحديث متناولاً أنواع الثقافات والتي تنقسم إلى ثقافة مادية وثقافة روحية غير ملموسة ، حيث أفادنا بقوله في جانب الثقافة الروحية :
الثقافة الغنائية والرقص في جنوب دارفور هي ثقافة موسيقية سودانية أفريقية ،تتميز في المنطقة ما دون السافنا الغنية والفقيرة ونتعرّف عليها من خلال الأدوات الموسيقية المستخدمة سواء كانت آلات وترية أو آلات إيقاعيه “طبول” بمختلف أحجامها.
أما في منطقة شمال دارفور يُعتمد على الأصوات البشرية “التصفيق بالأيدي أو الضرب بالأرجل” على الأرض والآلات الموسيقية قليلة لأن البيئة نفسها لها أثر ،فكلما أتجهنا جنوباً حيث الصجراء ،تكثر الآلات الموسيقية وتتنوع في أحجامها وأشكالها إضافة للتنوع القبلي وتنوّع الألسن واللغات هذا يؤدي لتعدد الألحان وأنواع الرقص الشعبي المتصل بتلك الألحان وهي في غالبها خماسية .
أما في منطقة عرب البقارة حافظوا على القوالب العربية من الشعر والغناء وحتى الرقص وأكتسبوا من البيئة الطبول السودانية الأفريقية الأصل ، ومايصدر من تلك الطبول من ضربات يكون مزيج بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية مابين رقة الألجان والغناء وصخب الطبول .
وفيما يتعلق بالمنطقة الغربية فهنالك تداخل ثقافي كبير جداً ما بين المجموعات العرقية السودانية ودولتى تشادوأفريقيا الأوسطى تحديداً في المثلث الذي يجمع الثلاث دول ، مما أتاح لتلك القبائل إدارة جزء من الثقافة السودانية بحكم التداخل والمصاهرات ، كذلك حدث نفس الشيئ للمجموعات العرقية التي تسكن في السودان وهي مجاورة.
هنالك شيئ مهم جداً يجب الإشارة إليه وهو أن الحكومات السودانية على تعاقبها لم تستفد من هذا التمازج الثقافي الفريد فالفنون سفارة شعبية يمكن الأستفادة منها مابين دول الجوار والتداخل الأثني في جميع المجالات الأقتصادية والأجتماعية والسياسية .
الإيقاعات والرقص الشعبي
ومازال الحديث مع دكتور ترنين حيث عرجنا إلى التحدث عن الإيقاعات الدارفورية ، فالمنطقة تتميز بالعديد من الضروب الإيقاعية سواء كانت بإستخدام الطبول “النقاقير” أو التصفيق بالأيدي ..وفقاً لتنوع الثقافات والاثنيات وبيئات أهلها .
قال محدثنا :
من أشهر الإيقاعات والرقص الشعبي الدارفورية :-
ضرب الدينارية :
وهو عبارة عن إيقاع دلوكة “عرضة” بطيئة يرقص فيها الرجال فقط من دون مصاحبة غناء وتقوم النساء بالضرب على آلة الدلوكة الدينارية “رزامة” وشتمان .
الفرنقيبة:
هذا الإيقاع في العادة يصاحب زفات الأعراس و”الختان” ، وهي في أصلها من الثقافات الغنائية لقبيلة الفور ولكنها صارت مشاعة ويستخدمها جُل قبائل دارفور.وهي رقصة جماعية ملحمية كرنفالية وفيها يتنكر الراقصون حيث يلبس الرجال أزياء النساء والنساء يلبسن أزياء الرجال ،ويكون الطبق والبرتال والريش والسكسك من الأكسسورات الأساسية في الرقصة بالنسبة للنساء ويقمن بتزيين الشعر (بالجنقلا) .
الجراري:
أغاني الجراري أغاني شبابية وتعتمد على الأصوات النسائية في النص أما الشباب فيقوم بـ(الكرير) وهو صوت غليظ يخرج من الصدر . تصطف الفتيات في صف شبه مستقيم ، وتبدأ المغنية (الصولو) في الغناء وترد عليها بقية الفتيات “شيالات” ، ثم يبدأ الشباب في الكرير في شكل مناسق وفق ايقاع داخلي يقابل ضرب ايقاع الدلوكة السيرة ويعتمد ضرب الايقاع على ضرب الأرض بالأرجل مع التصفيق من الجانبين.
ترقص الفتيات في الجراري بما يعرف برقصة الرقبة (العنق) وتعتمد على الجيد كما هو في أنحاء السودان وهو ميزان مقياس جمال الفتيات من طول الجيد والشعر ورشاقة البدن وأحترافية الآداء الأستاذ الفاضل خاطر الرقص الشعبي والايقاعات في دارفور ، ورقة علمية 2016 ، ص”4″- أما الغناء فيشترك الجميع من الجنسين في ترديده ، ومن أغاني الجراري المشهورة تلك الأغنية التي تشير إليها والتي تغنى بها الفتاة أو الفتى ، والرقص مستوحاة من سير الجمل والكرير من رُغاء البعير .
الكسوك واللوجي والدِدِس:
هذا الضرب من الإيقاع يُعزف بطبلين ، طبل كبير وآخر صغير يسمى(طمبلنق)
الهجوري:
نوع من أنواع الرقص المتمثل في القفز العالي المتناسق حيث تصطف الفتيات متراصات في ناحية يتغنين بنوع خاص من الغناء ، مع التصفيق بإيقاع منسجم ،بينما يصطف الفرسان في المقابل مصدرين أصواتاً معروفة تسمى العزف ، ثم يخرج شاب أو أكثر من الصف ويعين كل منهم رفيقته فيقف محاذياً لها ويضرب (سَكُة) تنبيهاً للفاة المحددة ثم يباشر الفتيان بالقفز إلى أعلى أولاً . وتتميز هذه الرقصة بالمرونة في الآداء وقفزاتها من اصعب أنواع القفزات في الرقص
إيقاعات المساليت
من الإيقاعات المشهورة ” الكنج جنق”
وهو عبارة عن طبل واحد يُعلّق على الكتف ويضرب بواسطة عصا وراحة اليد.
الأمبدي و الجمل رقد
هذه الإيقاعات تتواجد في حزام البقارة
الطنبور
تشبه رقصة الجراري في طريقة الآداء ، إلا أنها تختلف عنها في السرعة والغناء ويتكون الطنبور من الغناء والنمة والصفقة.حيث يكون هنالك مغني منفرد يعرف بالطنباري , و هو يصف بنتاً من البنات المصطفات في الصف الآخر. و تصاحبها النمة و هو الصوت الصادر من حناجر الفتيان و تشبه كرير اغنيات الجراري الا انها اقل قوة .
ووظيفة هذه الرقصة الغزل والمدح .
هذا بالإضافة إلى إيقاعات التامة والبرقو وعدد من الايقاعات الأخرى كالتوينجي والبردية وأغنيات الأم قردو والتيندي والكاتم والشقلاب ورقصة كدس والنقارة ورقصة الأنقلنق والعصي والسيف والسجو ورقصة الباز وهي رقصة مهرجانية لقبيلة الميدوب وكلها تصاحب الرقص.
الآلات الموسيقية الشعبية
أم كيكي
آلة موسيقية شعبية لها صندوق صوت دائري مصنوع من البخسة (القرع) و يجلّد بجلد الورل او الماعز او الغزال و لها وتر واحد يصنع من ذيل الفرس و القوس من غصن شجر الغبيش.
الكيتا
هي آلة شعبية نفخية وهي ذات ريشة مزدوجة و تصاحب احتفالات الرقص.
القرن(أم بايا)
هي آلة نفخ تصنع من قرون البقر او الغزال و تنفخ عند الحروب او الصيد او النفير.
الزمبارة
آلة شعبية نفخية و تصدر صوت حاد.
النقارة
طبل مصنوع من الخشب و يشد عليه جلد البقر و يعزف عليه بعصاتين و تصاحبها طبول اخرى.
الحكّامات
وأفردنا هذه المساحة للدكتورة رجاء موسى الباحثة في الموسيقى السودانية لتحدثنا عن (الحكامات) ودورهن الفاعل في المجتمع الدارفوري..
إبتدرت الدكتورة حديثها بوصف الحكّامة لغة وأصلاحاً قائلة :
الحكامة لغة يرجع اللفظ إلى الحكم والتحكم بمعنى السيطرة على الشيئ ، السيطرة على السلوك الإجتماعي بوضع إشارات (أفعل – لاتفعل ) وفقاً للأعراف والقيم في المجتمع المعين . أما في الأصطلاح فالحكاّمة إمرأة ذات قدرة إبداعية توظفها بنمط الألقاء المنغم بالدعوة إلى مكارم الأخلاق وتعرف بـ(بوق القبيلة) وتغني للحرية والسلام – يدخل تأجيج الفتن لدى بعضهن ضرورة لمحاربة الجبن في القبيلة- .
وأسترسلت الدكتورة رجاء حديثها :
مفهوم الألقاء يعمل على نقل الأفكار بالمشافهه للتأثير على المتلقين ومشاركتهم فيما يحسون كأداة تعبيرية عن الذات وكوامن النفس وعبقرية الذهن وإبداع الخاطر .
ماتقدّمه الحكامة يمكن وصفه بإبداع أو خبره ذات تأثير قوي على إنسان مناطق غرب السودان بصفة خاصة ، وهو ما يؤكده قول الخطيب المشهور “زج زجلر” : ( سواء رضينا أم أبينا فأن اللذين يحسنون الحديث أمام الناس يعتبرهم الآخرون أكثر ذكاء وأن لديهم مهارات قيادية متميزة عن غيرهم ).
فالحكّأمة تبث رسالتها الإبداعية الأجتماعية التربوية السياسية لصون تراثها وتعزيز القدرات الوطنية ،فهي تؤلف وترتجل على المنظومات النغمية أو مقامات أو سلالم متوفرة في البيئة المعنية لكل منطقة .يشكّل الأيقاع الصفقة جملة حوارية مع غناء الحكامة وجمهورها من النساء آداء جاذب وتكتمل الوظيفة بمهارة الآداء الحركي من رقص للحكامة وجمهورها من الجنسين .
وفيما يلي يمكن أن نورد نص نموذجي للحكامة فاطمة يوسف مدني “الباتيل”

مبسوط الجمهور بقول هنــيا
أنا ليه جمهــــور عرضــيا
مبسوط الجمهور بقول هنـيا
محترم أدبياً .. فاهم علمــيا ً
راقي ذوقياً.. صريح إجتماعيا
منطق شفوياً .. لائق طبيــاً
مـــــــريود قلــــــــــــبياً..
أنا أستاذة فنياً ..أنا مرتاحة ذهنياً
مبسوط الجمهور بقول هنيــــا
أنا ليه جمهور عــــرضيـــا
مبسوط الجمهور يقول هنيا
وأنا ماني مـــــــــــــــــاديا
حاس بيها عقلـــــــــــــــــيا
أنا قريبة نسبيـــــــــــــــــــــا
ما بخليّ نهـــــــــــــــــائيا
لوكان بحرياً.. لو كان جوياً
أنا أستاذة فنيـــــــــــــــــــــــا
أنا مرتاحة ذهنـــــــــــــــــيا
أنا ليه جمهور عرضـــــــيا
مبسوط الجمهور بقول هنيـا

وظيفة فن الألقاء لدى الحكامة
قالت الدكتورة رجاء في هذا الجانب :
فن الألقاء يعتبر وسيلة للمشاركة الوجدانية وأداة تربوية مهمة لإدراك الإبداع الفني ، كما يمثل وعاء ناقل في الحفاظ على التراث الخاص بنمط آداء الحكّامة ولفن الإلقاء أثر كبير من الناحية القبلية من خلال الغناء الحماسي “الشكر والفخر” وله وظيفة إجتماعية حيث يدعم الضبط الإجتماعي .
الحكّامة صوتها مسموع
أصبحت الحكامة هي الصوت المسموع الذي ينادي بالسلام ، الاستقرار والتنمية لدى مجتمعات كردفان ودارفور والإعلاء من قدر الثقافة والأعراف المحلية ونشرها كي تعمل على خلق روح وطنية مثالية تقوي روح التواصل الإجتماعي .
فالحكامة تظهر مقدرات أدائية في سلامة الدرجة الصوتية أو النغمة وتبتكر أنواع من التطريب الخاص بأدائها . كما أن الحكامة تجيد عناصر الألقاء الفعّال – في الآداء الجسدي ، الصوتي واللغة – .

Alakhbary

الإخباري Alakhbary صحيفة إلكترونية سودانية مستقلة تهتم بالشأن السوداني والافريقي وابرز الاحداث العالمية.رئيس التحرير _ موسى جوده

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى